فهرنهايت 451 رواية عالمية لواحد من أعظم كُتاب الخيال العلمي في القرن العشرين ، راي برادبري.
 يُصوّر الكاتب في روايته المجتمع الذي تخلى عن التفكير و اعتبر الكتب و المفكرين شكلاً من أشكال الإرهاب الثقافي و فرقة المجتمع الذي يشكل خطراً عليه .
تدور أحداث الرواية حول مدينة يحكمها نظام شمولي يعمل على حرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت ، و يجعل من الإعلام أداته الاساسية في الترويج لسياسته و الهيمنة على العقول ، معلناً قاعدته التي تنص على وجوب حرق الكتب و البيوت التي تخبئها أيضاً . حيث يُتهم من بحوزته كتاب بالهرطقة ، فيجرم و يُعاقَب .

تبدأ الرواية ببطلها "مونتاغ" رجل الإطفاء ، و من هنا تنطلق التناقضات في الظهور من اللحظة التي يفهم فيها القارئ أن مهمة رجال الإطفاء هي إشعال الحرائق بدلاً من إخمادها ، كما تصبح الكتب والقراءة والمثقفين أعداء للشعب .
يقابل "مونتاغ" جارته المراهقة "كلاريس" المفكرة و الحالمة التي تفتح عينيه على حقيقة العالم و التي ما تلبث أن تقنعه بأهمية القراءة و ما تصنعه فيها و في عائلتها . ظهور كلاريس في الرواية كان سبباً في إحداث التغيير في تفكير مونتاغ تجاه الكتب و ما قد يكون لها من تأثير و دور عميقين ، و الذي تسبب فيما بعد في تمرده على النظام . 

تبلغ الرواية ذروتها عندما يصادف موقفاً آخر كان بمثابة الحادثة التي أشعلت شرارة إحياء عقله و المنطق لديه ، عندما انطلقت صافرات الإنذار في محطة الإطفاء التي يعمل فيها مونتاغ، فيذهب الفريق وبينهم مونتاغ لإشعال النيران في البيت المذكور ، وعند اقتحامهم للبيت، يجد الفريق الكثير من الكتب، فيجمعوها لإحراقها بالكامل ، ينتهز مونتاغ الفرصة و بغفلة من زملائه يقوم بسرقة بعض الكتب و إخفائها تحت سترته لقرائتها فيما بعد ،  و هنا يُفاجئ مونتاغ بمقاومة صاحبة المنزل و رغبتها في البقاء في منزلها بل و فضلت أن تُحرَق حيّة مع كتبها ، الأمر الذي دفع مونتاغ للتساؤل حول ماهية الكتب و ما تحمله و كيف يمكن أن تكون بتلك الخطورة. صورة المرأة المحترقة لم تفارق مخيلة مونتاغ ، دفعته ليتدبر في الأمر أكثر ، يحدث نفسه أنه لابد من وجود أشياء في الكتب لا يستطيع تصورها، أشياء تجعل إمرأة تبقى في بيت يحترق . تزداد حدة اتقاد تفكيره أكثر ، يشعر باشتعال حريق في ذهنه، بدأ يفكر : ما الذي جعل كلاريس بهذه السعادة والبراءة والخفة حين كان يناقشها؟ و  كيف وصل بتلك المرأة إلى أن تفضّل الحرق مع كتبها على أن تعيش مثل مونتاغ ؟ لماذا كانو يقرؤون ؟ و هل تستحق الكتب كلّ هذا ؟
كل هاته الأحداث تعيد بطل الرواية إلى رشده ، و تظخله في عداد الثّوار الساعين لحفظ الإرث الإنساني المحفوظ في الكتب. يتعرف مونتاغ إلى المفكر فابر الاستاذ الجامعي المتقاعد العجوز ويشرح له مشاعره والكتب التي بدأ في قراءتها وما تفعله فيه، و يبدأ في التخطيط معه لإنشاء شبكة لإحياء الكتب . يتفاجأ بعدها بانكشاف مخططه لمديره الذي يقوده إلى بيته و يحرقها أمام عينيه .
هناك يتمرد مونتاغ و يقتل رئيسه ورجال الإطفاء الآخرين و يكمل رحلة الهرب من المدينة مع بعض الكتب التي تركها لينضم إلى مستعمرة من المثقفين ، مجموعة من المنبوذين الحاملين للشهادات الأدبية و العلمية و الذين يحفظون الكتب عن ظهر قلب ، فيصبحوا كتباً متحركة بانتظار التجسد في أوراق تحميها من الاندثار و الضياع .
في اللحظة الأخيرة ، تهلك المدينة بسبب الحرب التي تنشب فتودي بالمدينة و تدمرها . تنتهي الرواية مع المجموعة التي تبحث عن ناجين لإعادة بناء الحضارة .


“على كل إنسان أن يترك شيئا خلفه عندما يموت ، عليه أن يترك خلفه طفلاً أو كتاباً أو لوحة أو منزلاً أو جداراً مبنياً أو زوج أحذية من صنعه أو حديقة مزروعة شيئاً ما ، لامسته يدك بطريقة معينة . بحيث يكون لروحك مكان تذهب إليه عندما تموت . و عندما ينظر الناس إلى الشجرة أو الزهرة التي زرعتها تكون أنت موجوداً هناك .لا يهم ما تفعل ما دمت تغير شيئاً ما عما كان قبل أن تلمسه و تحوله إلى شيء يشبهك بعد أن ترفع يديك عنه .”


“هل ترى الآن لماذا يكرهون الكتب ويخافون منها؟ الكتب تكشف المسام في وجه الحياة. الناس المرتاحون لا يريدون إلا وجوه قمر شمعية بلا مسام وبلا شعر وبلا تعابير”



بالرغم من إنزعاجي من نوعية الترجمة منذ الصفحات الاولى إلا أنني آثرت إكمالها علها تبدو احسن في الصفحات القادمة ، أسفت على مابدى لي متبخراً وضائعاً من المعاني التي كانت ستبدو بحلة أجمل وأكثر سلاسة بفضل ترجمة أفضل من هذه، بالرغم من ان الترجمة تنفّر من اكمالها إلا أن الرواية تبدو جيدة في نهاية المطاف . رواية أشار من خلالها برادبوري إلى دور الأدب في إنقاذ  العالم عبر إعادة الإنسان إلى إنسانيته و حضه على اكتشاف ذاته بعيدا عن الانسياق إلى جنون الالات و وحشيتها . تراه من خلال بطله مونتاغ يستحضر صورة واقعية حول جدوى الثقافة و الأدب من عدمه ، و ما يملكه هذا الأخير من عظيم الأثر في حياتنا .